مجلس القنيطرة

مقال بعنوان كورونا واستثمار الطاقات

الأستاذ عبد الهادي صابر عضو المجلس العلمي المحلي لإقليم القنيطرة

كورونا واستثمار الطاقات الأستاذ عبد الهادي صابر عضو المجلس العلمي المحلي لإقليم القنيطرة

 

كورونا واستثمار الطاقات

الأستاذ عبد الهادي صابر عضو المجلس العلمي المحلي لإقليم القنيطرة

معاشر الفضلاء والفضليات :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛

وأسأل الله أن يحفظنا وإياكم من هذا الوباء وأن يكشف عنا هذه الغمة وأن يعجل بفرجه ؛وأن يرحم الأموات ويشفي المصابين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

لقد أظهرت هذه الجائحة ان الأمة في حاجة ماسة الى مزيد من الكفاءات والطاقات من أي وقت مضى؛ ذلك أن من انبرى لمواجهة هذا الوباء هم أهل الكفاءة في جميع التخصصات بمختلف المستويات؛ وظهرت قيم المجتمع الأصيلة ؛ الشيء الذي يوجب على الأمة أن تكتشف الطاقات والكفاءات والمواهب من كل التخصصات وتبرزهم وتهتم بهم وتدعمهم ماديا ومعنويا وتكرمهم تحفيزا لهم ولغيرهم.

والمتتبع لسير الأحداث يتبين له بجلاء أننا نتوفر على طاقات وكفاءات في جميع المجالات؛ تحتاج فقط لمن يكتشفها ويبرزها ويدعمها لتُظهر اختراعاتها و ابتكاراتها ومشاريعها.

والمتدبر للقرآن الكريم يتبين له ثناء الله على كل نموذج إيجابي ونافع للبشرية؛ فها هو سبحانه وتعالى يثني على سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لآثاره الطيبة والعظيمة التي جسدها في الواقع الذي عاش فيه والأزمنة التي جاءت من بعده؛ فيقول الله عز وجل عنه : ( إن إبراهيم كان أمة…)؛ يعني كان إماما ونموذجا في الإيجابية والنفع.

وهذا سيدنا موسى عليه السلام برزت فيه صفتا القوة والأمانة؛ ولاحظتهما ابنتا الرجل الصالح ؛فرشحتاه للعمل عند أبيهما؛ وسجل القرآن الكريم هذا الثناء على لسان إحداهما فقال : قالت احداهما يا أبت استاجره إن خير من استاجرت القوي الامين .والقرآن الكريم بصفة عامة يثني على أنبياء الله جميعا مشيرا الى جهودهم العظيمة وآثارهم الطيبة في الحياة؛ يقول الله عز وجل : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الايدي والابصار).

والمتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يظهر له أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصا على اكتشاف الطاقات والكفاءات الفاعلة والمبدعة في المجتمع وأحسن استغلالها وتوظيفها في مواقعها المناسبة؛ وكان أيضا بارعا في اكتشاف مواهب أصحابه الكرام وتحديد قدراتهم.

من ذلك :

– قوله لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه : ( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود)؛ وذلك لما سمعه يقرأ القرآن؛ فاكتشف صلى الله عليه وسلم هذه الموهبة الصوتية الجميلة؛ ولم يمر عليها مرور الكرام؛ بل أثنى عليه تحفيزا له و لغيره.

– قوله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس رضي الله عنه : ( إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة).

– اكتشافه صلى الله عليه وسلم لمواهب أهل اليمن وما يمتازون به عن غيرهم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (جاء أهل اليمن؛ هم أرق أفئدة؛ الإيمان يمان؛ والفقه يمان؛ والحكمة يمانية) رواه مسلم.

– اكتشافه صلى الله عليه وسلم لموهبة زيد بن ثابت رضي الله عنه في الفهم السريع والحفظ القوي والذاكرة الحية ؛ والقدرة على القراءة والتعلم؛ يقول رضي الله عنه : ( ذُهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا : يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه ما أنزل الله عليك بضعة عشر سورة؛ قال : فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال : يا زيد! تعلّم لي كتاب يهود؛ فإني ما آمن يهود على كتابي؛ قال زيد : فتعلمت كتابهم؛ ما مرت بي خمسة عشر ليلة حتى حذقته؛ فكنت أتكلم بها كأهلها؛ وكنت أقرأ كتبهم إذا كتبوا إليه؛ وأجيب عنه إذا كتب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

وفي رواية لأحمد : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحسن السريانية؟ إنها تاتيني كتب؛ قال : قلت : لا؛ قال فتعلمها ؛ قال : فتعلمتها في سبعة عشر يوما .

وتخيلوا معاشر الفضلاء ؛في هذا العمق التاريخي رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بتعلم اللغات الأجنبية حتى يمكن التواصل مع الآخرين وفهم ما لديهم؛ وهذا لا يعني بأي وجه من الوجوه التفريط في اللغة العربية التي هي أشرف اللغات وبها يفهم مراد الله و بها تفهم الشريعة.

وبعد أن تعلم سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه العبرية والسريانية أصبح بذلك ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا يعني أن مترجم الدولة الإسلامية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره ثلاثة عشر (13) سنة فقط ( تلميذ في مستوى الأولى أو الثانية إعدادي في زماننا؛ ولكنها الهمة العالية).

ثم صار بعد ذلك كاتبا للوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلف سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه زيدا بجمع القرآن بعد وفاة الكثير من حفاظه في موقعة اليمامة المشهورة؛ وأنعم بها من مهمة؛ لكنها شاقة للغاية؛ وعمره حينئذ لا يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره.

يقول زيد رضي الله عنه مبينا صعوبة المهمة : ( والله لو كلفوني حمل جبل لكان أهون علي مما حملوني إياه)

وفي عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان زيد على رأس من كلف بجمع القران الجمع الثاني الذي عليه القرآن الآن؛ وحري بكل من يأخذ المصحف و ينظر فيه ويقرؤه أن يتذكر زيد ابن ثابت وكفاءته ومجهوده.

– اكتشافه صلى الله عليه وسلم لشخصية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ رغم أنه كان راعيا ونحيل الجسم دقيق الساقين؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يكتشف مواهبه؛ فيقول له : ( إنك غلام معلّم)؛ وشجعه على التفرغ للعلم؛ وقرّبه منه حتى كان أشبه بصاحب سره؛ لا يفارقه في سفر ولا حضر؛ ويدور الزمان ويصبح هذا الراعي المغمور من أئمة الصحابة وعلمائهم وقرائهم؛ ويجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس إماما؛ ويوصي أصحابه أن يقتدوا به فيقول : ( من سره ان يقرأ القرآن غضا كما أنزل؛ فليسمعه من ابن أم عبد) رواه أحمد.

– بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يكتشف مواهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى قبل ان يسلم؛ فيدعو قائلا : ( اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك؛ عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب)؛ فأصبح عمر رضي الله عنه أعظم القادة في التاريخ الإسلامي؛ كان نموذجا فريدا في سرعة الإدراك واستقراء الأحداث والحكم عليها.

– اكتشافه صلى الله عليه وسلم لكفاءة خالد بن الوليد رضي الله عنه وقدراته؛ فيقول عنه : ( خالد سيف من سيوف الله؛ سله الله على المشركين)؛ فيصبح خالد القائد العسكري العظيم الذي لا يهزم.

– اكتشافه صلى الله عليه وسلم لشخصية عبد الله بن عباس رضي الله عنه؛ فيقول عنه : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)؛ فأصبح فقيه الأمة وحبرها.

ويلتقط سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الموهبة الشابة المباركة فيضمه الى مجلس شوراه.

ولا ننسى شخصية مصعب بن عمير رضي الله عنه الذي ساهم بذكائه وشخصيته الهادئة والمتزنة في انتشار الإسلام بالمدينة المنورة ؛ واستقبال أهلها بحفاوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة.

ولو تتبعنا النماذج النافعة والإيجابية التي اكتشفها النبي صلى الله عليه وسلم ووظفها لخدمة الإسلام والمجتمع ما وسعنا الجهد والطاقة؛ ولكن حسبنا أن نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم بتوزيع الأوسمة والثناء على أصحابه عبر الألقاب المختلفة التي تعبر عن أهم ما يميزهم وما يتصفون به؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر؛ وأشدهم في دين الله عمر؛ وأصدقهم حياء عثمان؛ وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل؛ وأفرضهم زيد ابن ثابت؛ وأقرؤهم أبي بن كعب؛ ولكل أمة أمين؛ وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).

وقد توارثت الامة هذه الألقاب في تاريخها؛ فنجد ألقابا مثل حبر الأمة؛ أمين الأمة…..

والذي ينبغي ملاحظته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهمل أي موهبة أو كفاءة مهما صغرت؛ ومن كل الأعمار و في جميع المجالات ومن الجنسين ذكورا وإناثا.

فها هو صلى الله عليه وسلم يقوم بتكوين فريق للعمل لإنجاز خطة الهجرة؛ حيث وضع كل واحد في المجال الذي يقدر عليه ويتقنه؛ فيتخذ أبا بكر مرافقا له في هذه الرحلة ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا).

ويكلف عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنه بمهمة الاستخبارات؛ ليبلغه أخبار قريش وما يخططون له وما يكيدون به.

وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كلفت بإيصال الزاد رغم أنها كانت حاملا بعبد الله بن الزبير؛ ولم يستطع أبوجهل أن يظفر منها بأي معلومة مع تهديده لها وضربه إياها.

وعامر بن فهيرة رضي الله عنه رغم أنه كان راعيا فقط؛ ومع ذلك كلف بإمرار أغنامه على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الحليب؛ ومن أجل محو آثار عبد الله وأسماء ابني أبي بكر .

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كلف بالمبيت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيهام المشركين – وما أخطرها من مهمة – وكذلك كلف برد الودائع والأمانات إلى أهلها.

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة توزعت الطاقات واستغلت المواهب أيضا؛ فهذا الصحابي الجليل طلق بن علي اليماني كان يحسن البناء وخلط الطين؛ فوظفه النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد؛ وأثنى على موهبته؛ فقد روى الإمام أحمد في مسنده عنه أنه قال : بنيت المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان يقول : ( قربوا اليماني من الطين؛ فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا).

وفي رواية : ( قال له النبي صلى الله عليه وسلم : الزم أنت هذا الشغل ؛فإني أراك تحسنه).

لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوافد الجديد على المدينة؛ ووظف خبرته في خلط الطين وفي قوة العمل؛ وهذا درس للمسلمين في الثناء على الكفاءات مهما كان تخصصها ومستواها ومجالها والاستفادة من خبراتها.

بل حتى التجار في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضعوا إمكاناتهم وأموالهم لنصرة الدين وخدمة المجتمع وتقديم النفع للناس؛ فهذا سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رومة على نفقته وجعلها للمسلمين؛ وذلك لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (من يشتري رومة؛ فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة) رواه النسائي.

فاشتراها عثمان بخمسة وثلاثين ألف درهم؛ وما زالت هذه البئر وقفا للمسلمين إلى يومنا هذا.

كما أن سيدنا عثمان قد جهز جيش العسرة على نفقته؛ حيث قدم تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا اتم بها الالف؛ وجاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف دينار؛ صبها بين يديه الشريفتين؛ فجعل عليه الصلاة والسلام يقلبها بيده ويقول : ( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم – ثلاث مرات -).

إن الشاهد من هذه االمواقف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوظف جميع الكفاءات والطاقات كل صنف في المجال الذي يتقنه ويقدر عليه؛ وبتكاثف الجهود وتضافرها تأسست أهم دولة وأفضلها على الإطلاق في تاريخ البشرية.

وختاما نؤكد ما قلناه في البداية بأن الأمة في أمس الحاجة إلى الاهتمام بكفاءاتها وطاقاتها إن هي أرادت أن تنهض من جديد ؛ وتستطيع مواجهة التحديات والأزمات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى